من غورشكوف إلى بوتين: البحر الأحمر بوابة روسيا إلى المحيط الهندي وتعزيز حضورها في الساحل الإفريقي

تزامن تداول معلومات عن سعي موسكو إلى إقامة وجود بحري في بورتسودان مع مرحلة مفصلية من الحرب في السودان، ليعيد إلى الواجهة سؤال الدور الروسي في البحر الأحمر، ليس بوصفه تحركًا ظرفيًا، بل كامتداد لعقيدة بحرية طويلة المدى تهدف إلى كسر العزلة الجيوسياسية والوصول إلى المحيط الهندي عبر البحار الدافئة.

تناقش هذه القراءة التحليلية موقع السودان في الحسابات البحرية الروسية، ودلالات تحوله إلى نقطة ارتكاز محتملة في مسار يمتد من البحر الأسود إلى المتوسط ثم البحر الأحمر، كما يحلل الكلفة السياسية والاستراتيجية لمثل هذا التمركز على علاقات الجيش السوداني مع القوى الغربية والإقليمية، وعلى توازنات الأمن في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

كتابة:

أحمد دهشان: رئيس التحرير والمؤسس المشارك في مركز الدراسات العربية الأوراسية، وباحث في التاريخ والعلاقات الدولية.

مقدمة

بلغت الإمارة الروسية القديمة، التي سميت لاحقًا اصطلاحًا “كييفسكايا روس”، أوجها في عهد فلاديمير الأول، الذي حكمها من العاصمة كييف في الفترة من (978–1015)، وذلك بعد أن أخضع بقية القبائل السلافية المتمردة لسلطته، وأقام علاقة تحالف مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية “بيزنطة”، ومصاهرة مع الأسرة الإمبراطورية عبر زواجه من آنا، ابنة الإمبراطور رومانوس الثاني، وأخت الإمبراطور باسيل الثاني. وسبق ذلك اعتناقه المسيحية الشرقية بوصفه جزءًا من هذه الصفقة السياسية، ثم فرضها دينًا رسميًا على السلاف الشرقيين، أسلاف (الروس، الأوكرانيين، البيلاروسيين، الروسينيين)، كما انتصر على جيرانه المجريين والبولنديين والتشيكيين.

ومع مرور الوقت، تحولت الإمارة الروسية إلى نظام أقرب ما يكون إلى الفيدرالي، وارتفع عدد إماراتها إلى نحو عشرين إمارة أو أكثر، بينما كان الأمير المعظم، صاحب الشرعية الاسمية، يقيم في كييف، على غرار خلفاء بني العباس في عصرهم الثاني، من دون أن يمتلك سلطة فعلية خارج نطاق المدينة. وفي ظل هذا الوضع المفكك، وحالة التنازع التي سادت بين هذه الإمارات المختلفة، تمكن المغول، بدءًا من عام 1237، من اجتياح أراضي الإمارات الروسية تباعًا، وإخضاعها جميعًا بحلول عام 1240.

وبعد مضي 240 عامًا، وتحديدًا في عام 1480، رفض أمير موسكو المعظم إيفان الثالث دفع الجزية لخانات المغول، ليبدأ بذلك عصر تحرر الروس مما يسمونه “النير المغولي”. ثم شرع حفيده إيفان الرابع “الرهيب” في القضاء على خانيات المغول في أستراخان وقازان وسيبيريا، وأعلن نفسه قيصرًا لعموم روسيا عام 1547، وصولًا إلى بطرس الأكبر الذي أعلن تحول روسيا من قيصرية إلى إمبراطورية عام 1721. وبلغت الإمبراطورية الروسية ذروة عظمتها وتوسعها في عهد الإمبراطورة كاترين العظيمة (1762–1796).

وعلى امتداد هذه المراحل المتعاقبة من التوسع، واجهت روسيا أزمة بنيوية رئيسية تمثلت في افتقارها إلى منافذ على البحار الدافئة، ما جعلها قوة برية بالأساس، محدودة القدرة على التوسع خارج محيطها الجغرافي أو تطوير علاقاتها التجارية مع العالم، ومعرضة في الوقت ذاته لخطر الحصار من قبل القوى البحرية الكبرى. وقد دفعها ذلك إلى نضال طويل لصياغة استراتيجيات متكررة تهدف إلى إنهاء هذه العزلة الجيوسياسية، وهي استراتيجيات نضجت في صيغتها الأحدث على يد القائد العام للبحرية السوفيتية، الأدميرال سيرغي غورشكوف (1956-1985)، الذي انطلقت عقيدته البحرية من فرضية أساسية مفادها أن من يسيطر على الاتصالات البحرية يمتلك أدوات النفوذ العالمي[1]. وهي الفكرة التي وجهت التمدد السوفيتي نحو المحيط الهندي عبر البحر الأحمر، والتي يسعى فلاديمير بوتين اليوم إلى إعادة تفعيلها عمليًا عبر السودان، الذي يمثل موقعًا محوريًا لتحقيق هذه الاستراتيجية الروسية، بعد أن أوجدت موسكو لنفسها موطئ قدم على الساحل الإفريقي.

في هذا السياق التاريخي الطويل، لا يمكن فهم الحضور الروسي المتجدد في البحر الأحمر والساحل الإفريقي بوصفه تحركًا ظرفيًا أو تكتيكيًا معزولًا، بل باعتباره امتدادًا منطقيًا لعقيدة بحرية راسخة تشكلت منذ الحقبة السوفيتية. فكما نظر غورشكوف إلى البحر الأحمر بوصفه بوابة استراتيجية نحو المحيط الهندي وكسرًا للطوق البحري الغربي، تعود موسكو اليوم، في عهد فلاديمير بوتين، إلى استدعاء هذا المنطق نفسه، مع إعادة تموضعه في بيئة دولية مختلفة، يكون فيها السودان نقطة ارتكاز مركزية في معادلة النفوذ البحري الروسي خارج فضائه التقليدي.

البحر الأحمر من زاوية موسكو: السودان كنقطة ارتكاز استراتيجية

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991، أصبحت شبه جزيرة القرم جزءًا من جمهورية أوكرانيا المستقلة، التي تضم مدينة سيفاستوبول، والتي كانت تاريخيًا المقر الرئيس لأسطول البحر الأسود السوفيتي منذ القرن التاسع عشر. ومع هذا التحول، باتت سيفاستوبول تمثل أهم قاعدة بحرية روسية على البحر الأسود، لكن ضمن وضع قانوني جديد فرض على موسكو اللجوء إلى ترتيبات تعاقدية مع كييف. وبموجب سلسلة من الاتفاقيات بين الاتحاد الروسي وجمهورية أوكرانيا، جرى تأجير القاعدة لروسيا لتكون مقر قيادة أسطول البحر الأسود الروسي عام 1997، حتى عام 2017، قبل أن يُمدَّد عقد الإيجار في اتفاقية خاركيف عام 2010، بحيث ينتهي عام 2042، مع إمكانية تمديده مرة أخيرة حتى عام 2047. غير أن روسيا أنهت هذه المعضلة جذريًا بضم شبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، محققة بذلك أمنها البحري الإقليمي من خلال الاستحواذ المباشر على القرم، وربط أسطول البحر الأسود المتمركز في سيفاستوبول بقاعدة طرطوس البحرية السورية على البحر الأبيض المتوسط. وقد مكّن هذا الربط روسيا من الخروج عبر المضائق التركية والإبحار في المتوسط مع توافر إمكانيات الإراحة والتموين والإمداد عبر قاعدة طرطوس، في حين كان يصعب على أسطولها العمل في هذا البحر المفتوح دون امتلاك قواعد إسناد، مقارنة بالأسطول السادس الأمريكي الذي يعتمد على شبكة واسعة من القواعد البحرية.

وبناءً على ما سبق، وبعد تأمين الوجود الروسي في البحر الأسود عقب ضم القرم، ثم ضمان القدرة على الإبحار والعمل في البحر المتوسط عبر قاعدة طرطوس البحرية، عقب سقوط نظام الأسد والتفاهم مع السلطة السورية المؤقتة على احترام جميع الاتفاقيات السابقة [2]، كما أكد ذلك الرئيس المؤقت أحمد الشرع خلال زيارته إلى موسكو في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصبحت القوة البحرية الروسية في وضع يسمح لها بالانتقال إلى تنفيذ الخطوة الثالثة، والمتمثلة في التقدم نحو المحيط الهندي. غير أن معضلة الوصول إلى المحيط الهندي تشبه إلى حد كبير معضلة الوصول سابقًا إلى البحر المتوسط، وتتمثل في ضرورة امتلاك قاعدة بحرية وسيطة، تحول دون اضطرار الأسطول الروسي للإبحار لمسافات طويلة من دون أي قواعد إسناد. ومن ثم، فإن موسكو بحاجة إلى قاعدة تؤدي وظيفة مشابهة لقاعدة طرطوس، ولكن على البحر الأحمر، وهو ما سبق أن نجح فيه السوفيت عبر استراتيجية الأدميرال سيرغي غورشكوف، الذي تمكن من تأمين قواعد بحرية في عدن باليمن الجنوبي، وبربرة في الصومال، وفي إثيوبيا قبل انفصال إريتريا، قبل أن تفقد موسكو هذه القواعد جميعها عقب تفكك الاتحاد السوفيتي.

في السياق الجيوسياسي الراهن، يبرز السودان بوصفه الخيار الأكثر ملاءمة لروسيا لعدة أسباب متداخلة. فمن جهة، تواجه المؤسسة العسكرية السودانية تمردًا مسلحًا يحظى بدعم من قوى إقليمية قوية وجادة في تقديم هذا الدعم، في مقابل ضعف واضح في إرادة حلفائها الإقليميين. ومن جهة أخرى، يتسم الموقف الغربي بحياد ظاهري، لكنه يميل عمليًا إلى حياد إيجابي يصب في مصلحة القوى المتمردة. وعلى الرغم من المناشدات المتكررة التي وجهها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، إلى الولايات المتحدة وأوروبا والصين، ومحاولات حلفائه الإقليميين حث واشنطن على التدخل، فإن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج ملموسة، في الوقت الذي واصل فيه داعمو التمرد تقديم الدعم بشكل منظم ودون رادع. ونتيجة لذلك، بات لدى الجيش السوداني حافز متزايد للتوجه نحو روسيا، بعد أن استنفد، إلى حد كبير، محاولاته لاجتذاب القوى الغربية إلى جانبه.

أما الدول الأخرى المطلة على البحر الأحمر والمرشحة نظريًا لاستضافة قواعد بحرية روسية، فتواجه قيودًا بنيوية وسياسية تحول دون ذلك. فاليمن، في وضعه الراهن، غير قادر على اتخاذ قرار من هذا النوع في ظل الانقسام الحاد بين جماعة الحوثيين ومعسكر الشرعية، فضلًا عن الخلافات القائمة بين الأخير والمجلس الانتقالي الجنوبي، الساعي إلى الانفصال أو “فك الارتباط” وفق توصيفه، مع غياب توافق جنوبي جامع حول هذه المسألة. أما الصومال، فيعاني بدوره من انقسام داخلي عميق، ورغم ما يُشاع عن طرح إقليم صوماليلاند الانفصالي إمكانية استضافة قاعدة بحرية روسية مقابل اعتراف موسكو باستقلاله، فإن هذا الخيار يظل محفوفًا بالمخاطر، نظرًا لما قد يترتب عليه من إدخال روسيا في صراع مباشر مع الحكومة الصومالية المركزية، وإثارة انزعاج قوى إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية، فضلًا عن القوى الغربية. وفيما يمكن لإريتريا أن تشكّل خيارًا بديلًا، ولا سيما ميناء مصوع، فإن هذا الاحتمال يظل عالي الكلفة والمخاطر، حتى في حال افتراض موافقة أسمرا عليه، نظرًا لما قد ينتج عنه من توتير العلاقة مع إثيوبيا، التي تمثل أهمية خاصة في الحسابات الروسية. أما جيبوتي، فتكتفي روسيا بالحصول منها على دعم لوجستي محدود، دون السعي إلى إنشاء قاعدة بحرية كاملة، نظرًا لحساسية هذا القرار بالنسبة لجيبوتي وعدم قدرتها السياسية على اتخاذه.

في المقابل، يتمتع السودان بأهمية خاصة في حال تمكنت روسيا من إقامة قاعدة بحرية على سواحله، وبناء علاقة استراتيجية مستقرة مع الجيش السوداني. إذ يمثل السودان بوابة روسيا إلى الساحل الإفريقي، حيث بدأت موسكو بالفعل في ترسيخ وجودها ونفوذها عبر عدد من دوله، إلى جانب حضورها في شرق ليبيا، ما يجعل منه موقعًا مثاليًا يخدم عدة أهداف استراتيجية في آن واحد. ومن اللافت أن الوجود الروسي في الساحل الإفريقي بدأ فعليًا عبر بوابة السودان، وتحديدًا خلال زيارة الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى روسيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما التقى فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي، وعرض علنًا توفير حماية سياسية وعسكرية روسية للسودان، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع موسكو، مختتمًا حديثه بالتأكيد على أن السودان يمكن أن يكون بوابة روسيا إلى إفريقيا.[3]

ويمكّن امتلاك روسيا قاعدة بحرية في السودان على ساحل البحر الأحمر من ربط قيادة أسطولها في البحر الأسود، مرورًا بالمضائق التركية، ثم البحر الأبيض المتوسط، حيث تتوافر إمكانيات الإمداد والإراحة، قبل التوجه جنوبًا نحو البحر الأحمر، مع توفر قاعدة إسناد تتيح الوصول إلى المحيط الهندي. وبهذا، تكون روسيا قد ربطت أساطيلها البحرية بشبكة إسناد متكاملة في البحرين المتوسط والأحمر، بما يسمح لها بالوصول بسهولة إلى الموانئ الهندية والباكستانية والبنغلاديشية، وامتلاك أدوات النفوذ العالمي، وفق التصور الذي رسخه الأدميرال غورشكوف في العقيدة البحرية الروسية. كما يتيح هذا التمركز لموسكو التواصل المباشر مع حلفائها في دول الساحل الإفريقي، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى، وربما التمدد عرضيًا وصولًا إلى المحيط الأطلسي، محققةً بذلك حلمًا طالما راود القياصرة والأباطرة والقادة السوفيت، وبدا لعقود طويلة عصيًا على التحقق.

الأثر الجيوسياسي للتمركز الروسي في السودان على علاقات الجيش السوداني الدولية

بدأ تداول خبر منح روسيا قاعدة بحرية في بورتسودان منذ سقوط نظام عمر البشير وتشكيل حكومة عبد الله حمدوك في سبتمبر (أيلول) 2019، قبل أن يُعاد طرح الموضوع مرة أخرى في يونيو (حزيران) 2024. ومجدّدًا، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريرًا تحت عنوان: “السودان يعرض على روسيا إقامة أول قاعدة بحرية لها في أفريقيا”[4]، بتاريخ الأول من ديسمبر (كانون الأول). وقد بدا التقرير متناقضًا في مضمونه؛ فمن ناحية، تحدّث عن عرض سوداني قُدّم إلى روسيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لإقامة قاعدة بحرية تضم نحو 300 جندي وأربع سفن، من بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، مع منح روسيا امتيازات في قطاع التعدين، مقابل تزويد السودان بمنظومات دفاع جوي وأسلحة أخرى بأسعار تفضيلية. ومن ناحية أخرى، ختم التقرير بالإشارة إلى أن السودان—الذي يُفترض أنه بادر بتقديم هذا العرض—يتحفظ على تنفيذ الاتفاق خشية ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا. وحتى الآن، لم يصدر أي تصريح رسمي من موسكو أو الخرطوم يؤكد أو ينفي ما ورد في التقرير، غير أن افتراض إقدام السودان على هذه الخطوة يظل ذا أثر جيوسياسي بالغ، يستوجب تحليل انعكاساته على علاقة الجيش السوداني بالقوى الدولية والإقليمية.

الولايات المتحدة

لا يبدو أن الولايات المتحدة تمتلك استراتيجية واضحة تجاه الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي عمومًا، والسودان على وجه الخصوص. وحتى التصريحات التي صدرت عن الرئيس ترمب بشأن السودان تبدو، حتى الآن، أقرب إلى إطار العلاقات العامة، وتأتي في سياق تقدير خاص لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، من دون أن تُترجم إلى خطوات سياسية أو أمنية جادة. وينصبّ الجهد الأمريكي أساسًا على حماية الممر الملاحي في البحر الأحمر، وربما تنفيذ بعض الأنشطة المحدودة في مجال مكافحة الإرهاب في دول الساحل، في وقت تخلو فيه الاستراتيجية الأمريكية الصادرة حديثًا من أي إشارات واضحة إلى السودان أو القرن الإفريقي.

عمليًا، لم يكن السودان، عبر تاريخه الحديث، حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة، إذ شهدت العلاقة بين البلدين تقلبات حادة، مع تقارب نوعي محدود خلال النصف الثاني من حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، مدفوعًا بمصالح مشتركة لمواجهة المد الشيوعي وسياسات العقيد معمر القذافي في إفريقيا، قبل أن تتدهور العلاقات سريعًا بعد ذلك. وبناءً عليه، لا يمكن اعتبار السودان أصلًا استراتيجيًا محوريًا للسياسة الأمريكية في المنطقة، كما أن تقاربه مع موسكو لا يشكل، في حد ذاته، خسارة استراتيجية كبرى لواشنطن. ولا يعني ذلك عدم اكتراث الولايات المتحدة بوجود عسكري روسي محتمل في السودان، غير أن هذا الوجود، في ظل التقارب الشخصي الواضح بين بوتين وترمب، وتجاوز الأخير للأطر المؤسسية التقليدية، وهيمنة منطق الصفقات على سياساته الخارجية، فضلًا عن حالة الضعف النسبي التي تبدو عليها المؤسسة الحاكمة الأمريكية، قد لا يدفع واشنطن إلى ردود فعل حاسمة. وفي هذا السياق، قد يتساءل الجانب السوداني عن الجدوى الفعلية من السعي إلى إرضاء الولايات المتحدة، في ظل غياب الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات واضحة تجاه قوى التمرد وداعميها، ومساواتها بين أطراف الصراع، وغياب تصور أمريكي محدد لما تريده من السودان أو ما يمكن أن تقدمه له. كما يبدو أن القيادة السودانية نفسها لا تمتلك رؤية متكاملة تمكّنها من التقدم بمبادرة سياسية واضحة تدفع واشنطن إلى الانحياز لموقفها.

الاتحاد الأوروبي

لا تمتلك أوروبا، بوصفها كيانًا موحدًا، سياسة واضحة تجاه إفريقيا عمومًا، أو السودان على وجه الخصوص. وباستثناء بريطانيا، التي وضعت استراتيجية مستقلة لخدمة مصالحها في المنطقة، وفرنسا التي تسعى للحفاظ على ما تبقى من نفوذها المتآكل، لا توجد رؤية أوروبية جامعة، ولا قدرة حقيقية على إحداث فارق في المشهد السوداني. ويأتي ذلك في ظل مخاطر متزايدة تهدد المنظومة الأمنية الأوروبية، ناجمة عن تصاعد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالتحالف عبر الأطلسي، فضلًا عن الخلافات البنيوية داخل الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، يظل الملف الوحيد الذي يحظى بدرجة من التوافق الأوروبي هو ملف الهجرة غير الشرعية المتدفقة من دول الساحل وبقية إفريقيا، مرورًا بالحدود السودانية–الليبية.

الصين

لا يظهر أي تناقض جوهري بين الموقفين الصيني والروسي في إفريقيا، إذ لا ترى بكين في الوجود الروسي المتنامي عاملًا مهددًا لمصالحها، بل قد تنظر إليه بوصفه أشبه بـ”كاسحة ألغام” تتولى تقويض النفوذ الغربي، من دون أن تضطر الصين إلى لعب هذا الدور مباشرة وما قد يترتب عليه من ضغوط أو عقوبات غربية. كما يوفّر هذا التمدد الروسي مساحة أوسع للصين للعمل الاقتصادي والاستحواذ على المواد الخام والثروات الطبيعية في المنطقة. وإضافة إلى ذلك، فإن روسيا، بقدراتها الاقتصادية المحدودة وتفوق الصين التكنولوجي الواضح، لا تشكل منافسًا حقيقيًا لبكين. وعليه، فإن الموقف الصيني من وجود روسي محتمل في السودان، وإن لم يكن إيجابيًا صريحًا، فمن المرجح ألا يكون سلبيًا.

القوى الإقليمية

تُعد مصر والسعودية القوتين الإقليميتين الأبرز في البحر الأحمر، ويبدو موقفهما أقرب إلى التحفظ والاعتراض منه إلى المعارضة الصريحة. فكلاهما يعارض التدخلات الإقليمية والعربية في الشأن السوداني، ويرفض تفكيك الدولة السودانية أو إضعاف مؤسستها العسكرية تحت ذريعة وجود قوى من الإسلام السياسي داخلها، كما يتبنيان موقفًا صارمًا ضد تقسيم السودان. غير أن هاتين الدولتين تفتقران، في الوقت ذاته، إلى رؤية متكاملة وإرادة سياسية كافية لصياغة مقاربة فعالة قادرة على قلب موازين الصراع داخل السودان. ورغم ما يُتوقع من تحفظهما على الوجود الروسي خشية تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة عسكرة أوسع وفتح الباب أمام قوى كبرى أخرى للمطالبة بوجود عسكري مماثل، فإن توسع نفوذ القوى المتمردة، وغياب قرارات أمريكية حاسمة، وافتقار القاهرة والرياض لأدوات ضغط مباشرة، قد يحدّ من قدرتهما على إلزام القيادة السودانية برفض هذا الخيار إذا ما قررت المضي فيه.

أما تركيا، فقد تجد في الوجود البحري الروسي فرصة للضغط من أجل الحصول على وجود بحري خاص بها في جزيرة سواكن، استنادًا إلى اتفاقيات سابقة بين البلدين، مع تسويق هذا الوجود لدى الولايات المتحدة وأوروبا بوصفه عامل توازن يتيح لحلف شمال الأطلسي، الذي تُعد أنقرة عضوًا فاعلًا فيه، مراقبة النفوذ الروسي وكبح قدراته. وقد تستغل أنقرة هذا السياق للضغط على القوى الغربية لدفعها إلى ممارسة ضغوط مماثلة على الجيش السوداني للسماح لها بهذا الوجود.

إيران، وبعيدًا عن طموحاتها في الحصول على موطئ قدم مباشر في السودان والانطلاق منه نحو القرن الإفريقي، حيث شهدت علاقاتها مع دوله تطورًا ملحوظًا خلال العقدين الماضيين، تدرك أن منحها وجودًا عسكريًا مباشرًا على الأراضي السودانية أمر غير مقبول سودانيًا أو إقليميًا أو دوليًا. وعليه، تتمثل أولويات طهران، في الغالب، في دعم قوى إسلاموية داخل السودان، والرهان عليها مستقبلًا بوصفها قناة محتملة لضمان علاقة أكثر استقرارًا وتقدمًا مع الخرطوم. وفي هذا السياق، لا يُعدّ الوجود الروسي المحتمل في السودان—إن حدث—عاملًا مؤثرًا على الحسابات الإيرانية أو مصدر إزعاج مباشر لها. وفي الوقت ذاته، تحقق إيران فوائد اقتصادية ملموسة من توريد الأسلحة، من خلال الحصول على خامات سودانية يُعاد تصديرها بما يسهم في تعظيم أرباحها والالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ويُضاف إلى ذلك ما يتيحه هذا المسار من تعزيز السمعة القتالية للأسلحة الإيرانية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، بما يدعم زيادة مبيعاتها مستقبلًا، فضلًا عن تطوير هذه المنظومات عبر اختبارات ميدانية حيّة في ساحات القتال.

الاستنتاجات

تشير المعطيات إلى أن أي خطوة رسمية لمنح روسيا وجودًا بحريًا دائمًا في بورتسودان ستُفسَّر دوليًا بوصفها انتقالًا استراتيجيًا نهائيًا بعيدًا عن الغرب، وهو ما يجعل من الضروري النظر إلى هذه الخطوة ليس فقط من زاوية المكاسب العسكرية الآنية، بل أيضًا من حيث كلفتها السياسية بعيدة المدى على موقع السودان الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تسريب تقرير صحيفة وول ستريت جورنال بوصفه أداة ضغط سياسية أكثر منه إعلانًا نهائيًا، بما يتيح للقيادة السودانية هامشًا أخيرًا لاستخدام هذا المسار كورقة تفاوض مع الولايات المتحدة، بهدف دفعها إلى توضيح موقفها والانتقال من سياسة الحياد اللفظي إلى تقديم دعم عملي ملموس، إذا ما رغبت في منع تحولات استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقًا.

كما أن إنشاء قاعدة بحرية روسية كاملة، حتى وإن لم يستدعِ ردود فعل غربية عنيفة أو مباشرة، من شأنه أن يمنح داعمي التمرد أفضلية سياسية إضافية في العواصم الغربية، عبر تعزيز سرديتهم بوصفهم الطرف الأكثر انسجامًا مع أولويات الغرب الأمنية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، والحد من الهجرة غير الشرعية، ومواجهة النفوذ الإيراني والروسي في آن واحد.

وعلى مستوى الإقليم، فإن تحقق وجود عسكري روسي كامل في البحر الأحمر عبر السودان سيُدخل الخرطوم في شبكة تعقيدات أوسع، تشمل التنافس في القرن الإفريقي، والتوترات المرتبطة بإثيوبيا والصومال، وما قد يترتب على ذلك من احتكاك غير مباشر مع قوى إقليمية كبرى، ولا سيما مصر، فضلًا عن تسريع وتيرة عسكرة البحر الأحمر على حساب النفوذ العربي التقليدي فيه.

في المقابل، تظل القدرات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لروسيا محدودة في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليها، وانشغالها المستمر بالملف الأوكراني، الذي—حتى في حال التوصل إلى تسوية مؤقتة—سيتطلب وقتًا وجهدًا طويلين لتثبيت أي وقف مستدام للصراع. وبناءً عليه، لا يُتوقع أن يشكل الدعم الروسي المحتمل فارقًا حاسمًا في موازين الصراع داخل السودان، كما أن ما قد يقدمه من تسليح لا يمثل ضمانة لقلب المعادلة ما لم يترافق مع وقف تدفقات الدعم المالي والعسكري التي تتلقاها القوى المتمردة من داعميها الإقليميين، وهو ما يجعل المخاطر المحتملة لأي صفقة استراتيجية مع موسكو أكبر من مكاسبها المتوقعة.

وأخيرًا، يبرز خيار الاكتفاء بمنح روسيا محطة لوجستية محدودة، وفق شروط واضحة ومقيدة، بوصفه بديلًا أقل كلفة وأكثر مرونة. إذ يتيح هذا الخيار الحصول على قدر من الدعم العسكري، مع الإبقاء على هامش مناورة سياسي يسمح باختبار ردود الفعل الغربية، وفتح نافذة تفاوض مشروطة مع الولايات المتحدة وشركائها، من دون الذهاب إلى قطيعة استراتيجية شاملة.

مصادر

[1] Gorshkov, S. G., The Sea Power of the State, Pergamon Press, 1979

[2] فلاديمير سولداتكين وآندرو أوزبورن وسليمان الخالدي – الشرع يتعهد لبوتين باحترام الاتفاقات السابقة – وكالة رويترز للأنباء – 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 – [الرابط].

[3] طه عبد الواحد – البشير يطلب من روسيا حماية لمواجهة «أميركا العدائية» – جريدة الشرق الأوسط – 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 – [الرابط].

[4] Benoit Faucon and Nicholas Bariyo – Sudan Offers Russia Its First Naval Base in Africa – Dec. 1, 2025 – [Link]

* تعبر الآراء الواردة في هذه المادة عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المركز.

Share

© 2025 Created with PRIVILEGE