يمثّل الحكم الصادر في أكتوبر 2025 بإدانة علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية محطة مفصلية في مسار العدالة الدولية بشأن دارفور؛ إذ تُعدّ هذه القضية أول ملفّ يصل إلى محاكمة مكتملة وإدانة نهائية في سياق دارفور، وأول إدانة تصدر استنادًا إلى إحالة من مجلس الأمن، كما تسجّل للمرة الأولى إدانة للمحكمة في جريمة اضطهاد على أساس النوع الاجتماعي. وقد قضت المحكمة بسجن كوشيب 20 عامًا بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في حكمٍ اعترف رسميًا بمعاناة 1,592 ضحية ورسّخ سجلًا قضائيًا مُعتمدًا يوثّق فظائع دارفور.
ولا تنحصر قيمة هذا الحكم في رمزيته، بل تتجلى في أثره العملي اليوم: فهو يبرهن أن المساءلة تظل ممكنة حتى حين تُقاوِمها الدول، وأن إحالات مجلس الأمن قد تفضي إلى نتائج قضائية ملموسة، وأن القانون الدولي—رغم بطئه وتسييسه—لا يزال قادرًا على إنتاج العدالة. والأهم أنه يعيد تثبيت اختصاص المحكمة بالجرائم الجارية في دارفور، بما يفتح المجال أمام مذكرات توقيف جديدة. لذلك، لا يبدو الحكم نهاية لمسار العدالة في السودان، بل بداية متأخرة طال انتظارها.
الكاتبة:
د.حبيبة أبو بكر باحثة قانونية دولية وباحثة سياسات متخصصة في القانون الدولي، والسلام والأمن، والأطر القانونية والسياسية لصنع السلام وحل النزاعات، مع تركيز خاص على الاتحاد الإفريقي والحوكمة متعددة الأطراف. تحمل درجة الدكتوراه في القانون من جامعة لوكسمبورغ، وشغلت مناصب في جامعة لوكسمبورغ، ومعهد ماكس بلانك في لوكسمبورغ، ومؤسسة ماكس بلانك للسلام الدولي وسيادة القانون، ومحكمة التحكيم الدائمة، ومفوضية الاتحاد الإفريقي.
مقدمة
يمثّل الحكم الصادر في أكتوبر 2025 بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن (كوشيب) أول قضية مكتملة أمام المحكمة الجنائية الدولية تنبثق عن الجرائم المرتكبة في دارفور. وكانت المحكمة قد أدانت كوشيب في البداية بـ27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور. وبعد شهرين، وفي ديسمبر 2025، أصدرت المحكمة حكمًا بالسجن لمدة 20 عامًا كعقوبة موحدة (ICC 2025a).
كان علي كوشيب قائدًا بارزًا في ميليشيات الجنجويد، التي دعمت قمع الحكومة السودانية للحركات المتمردة في دارفور خلال حكم عمر البشير، والتي كانت مسؤولة عن اضطهاد وقتل مئات الآلاف من الأشخاص في إقليم دارفور.
أدلى ما مجموعه 74 شاهدًا بشهاداتهم خلال محاكمة كوشيب: استدعت الدائرة القضائية شاهدين، واستدعى الادعاء 54 شاهدًا، والدفاع 17 شاهدًا، فيما استُدعي شاهد واحد نيابة عن الضحايا المشاركين عبر ممثليهم القانونيين (ICC 2025c). إضافة إلى ذلك، قُبل رسميًا في سجل القضية 1,861 عنصرًا من الأدلة (المصدر نفسه). ويمثل هذا أول ملف متعلق بدارفور يصل إلى نهايته القضائية، وأول محاكمة للمحكمة الجنائية الدولية تنبثق عن إحالة من مجلس الأمن، وأول إدانة في جريمة اضطهاد قائم على النوع الاجتماعي، وهي أيضًا أول مرة في تاريخ السودان يُدان فيها شخص أمام محكمة دولية بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وعليه، لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا الحكم.
غير أنه في الوقت الذي تلقّى فيه 1,592 ضحية، والذين تعكس معاناتهم ليس دارفور فحسب بل السودان ككل، اعترافًا طال انتظاره ونوعًا من العدالة بعد صدور الحكم، فقد لقي آلاف آخرون في دارفور حتفهم منذ ذلك الحين (UN News 2025). وبعد أكثر من عشرين عامًا على فظائع عام 2003، تشهد مجتمعات مختلفة في أنحاء السودان مرة أخرى أنماطًا مشابهة من العنف لفظائع بداية الألفية (Prosecutor v Abd-Al-Rahman 2025). وفي خضم هذا الألم، مثّلت هذه القضية عودة السودان – أخيرًا – إلى الأجندة الدولية، وحصوله على قدر من الاعتراف والعدالة التي طالما احتاج إليها، وإن كان ذلك في سياق استمرار الفظائع الجماعية منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
يأتي هذا الحكم في لحظة يتعرض فيها القانون الدولي لتشكيك واسع، ويُصوَّر بوصفه ضعيفًا، ومتراجعًا، ومسيسًا، ويفتقر إلى آليات إنفاذ فعالة. وفي هذا السياق، يجادل هذا المقال ضد هذه السردية السائدة. إذ يُظهر حكم كوشيب أنه رغم قابلية القانون الدولي للتلاعب أو التأخير أو التسييس، فإنه لا يزال يحتفظ بقدرته على تحقيق العدالة، ولو متأخرًا. فالقيود المفروضة على القانون الدولي وانتهاكاته لا تعني زواله أو فقدانه للأهمية، بل تكشف عن حدوده البنيوية. ولا يزال وجوده وإمكاناته حاضرين بقوة.
ولا يقتصر حكم كوشيب على تحدي سردية فشل القانون الدولي، بل يؤسس أيضًا لسوابق مهمة في مجال المساءلة الجنائية، ويشير إلى إمكانات متجددة لإصدار مذكرات توقيف إضافية استجابة للفظائع المستمرة في دارفور، ويوضح الدور المتواصل والمتطور للقانون الدولي في السياق السوداني وعلى الصعيد العالمي.
ما السابقة التي يضعها حكم كوشيب؟
لا تعترف المحكمة الجنائية الدولية بمبدأ السابقة القضائية الملزمة (stare decisis) بالمعنى الصارم المتعارف عليه في أنظمة القانون العام، وبالتالي فإن حكم كوشيب لا يُعد (سابقة) بالمعنى التقني الذي يستخدمه فقهاء القانون العام (Heikkila 2017). ومع ذلك، فإنه عمليًا يُعد حكمًا مؤسسًا لسوابق لا يمكن إنكارها. فهو أول قضية ناشئة عن إحالة من مجلس الأمن تصل إلى محاكمة مكتملة وإدانة. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة في سياق طال فيه الجدل حول مشروعية إحالات مجلس الأمن، وحسن نيتها، وأبعادها السياسية، وكذلك طبيعة العلاقة بين المجلس والمحكمة الجنائية الدولية عمومًا، لا سيما فيما يتعلق بالسودان.
وقّع السودان على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) في 8 سبتمبر من عام 2000، لكنه لم يُصادق عليه قط، واتخذ باستمرار موقفًا مفاده أنه غير ملزم به. ففي عام 2008، أخطر وزير الخارجية آنذاك، دينق ألور كول، الأمين العام للأمم المتحدة – بصفته الجهة المودَع لديها نظام روما الأساسي – بأن “السودان لا يعتزم أن يصبح طرفًا في نظام روما الأساسي، وبناءً عليه لا تترتب على توقيعه أي التزامات قانونية”. وبالتوازي مع ذلك، خاض السودان معركة سياسية داخل الاتحاد الإفريقي للحصول على دعم سياسي ضد المحكمة الجنائية الدولية، خاصة بعد صدور مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير (Imoedemhe 2015). ورغم تحسن علاقة السودان بالمحكمة نسبيًا بعد ثورة 2019 وتشكيل الحكومة الانتقالية التكنوقراطية، بما في ذلك الزيارة البارزة للمدعية العامة آنذاك فاتو بنسودا في عام 2020، فإن نظام روما الأساسي نفسه لم يُصادق عليه حتى اليوم (ICC 2020).
وفي هذا السياق، تكتسب إدانة كوشيب أهمية خاصة لأنها تؤكد، بصورة عملية وملموسة، أن السودان يمكن أن يخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية عبر إجراء صادر عن مجلس الأمن. فبموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 (2005)، أحال المجلس وضع دارفور إلى المحكمة في مارس 2005، وفتح المدعي العام تحقيقًا في يونيو من العام نفسه. وتُظهر قضية كوشيب أن هذه الإحالة لا تفضي فقط إلى إصدار مذكرات توقيف، بل يمكن أن تقود إلى محاكمة مكتملة الأركان، وإلى بناء سجل وقائعي مفصل—تشتد الحاجة إليه في توثيق الفظائع المرتكبة في السودان—وإلى إدانة قضائية فعلية. ويمسّ ذلك مباشرةً مصداقية إحالات مجلس الأمن في سياقات أخرى، حيث تتصاعد الشكوك بشأن فاعلية المحكمة الجنائية الدولية.
وفيما يتعلق بدارفور، خضع سبعة أشخاص لإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويُعدّ كوشيب أول من خضع لمحاكمة كاملة وأُدين. وقد انتهت قضيتان في مراحل إجرائية مبكرة من المسار القضائي: ففي فبراير 2010، قررت الدائرة التمهيدية الأولى عدم تأكيد التهم الموجهة إلى بحر إدريس أبو قردة لعدم استيفاء الادعاء لمعيار (وجود أسباب جوهرية للاعتقاد) (Prosecutor v Abu Garda 2010)، بينما أُنهِيت الإجراءات ضد صالح محمد جربو جاموس بسبب وفاته (ICC 2013). ولا تزال أربع مذكرات توقيف قائمة بحق عمر البشير، وعبد الله بندة أبكر نورين، وأحمد محمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين (ICC n.d)
رغم هذه العوائق القانونية والسياسية، يُظهر حكم كوشيب أن المساءلة لا تزال ممكنة حتى عندما تعمد السلطات الوطنية إلى مقاومتها وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب. ولا يعني ذلك إعفاء المحكمة الجنائية الدولية أو القانون الدولي من النقد. ولكن الحكم يبرهن على أنه عندما تفشل النظم الوطنية، يمكن لمسار دولي أن يتدخل ويحقق نتائج فعلية. الحقيقة التي تؤكدها ردود الفعل داخل السودان على الحكم، والشعور بالاعتراف المتأخر لدى الضحايا. أما بالنسبة للمشتبه بهم الآخرين، فالرسالة لا تقل وضوحًا: فالإدانة أضحت نتيجة مثبتة، لا احتمالًا نظريًا. ولم يُلغِ مرور الزمن هذا الخطر، بل تمتد دلالته إلى ما هو أبعد من السودان، لتبعث بإشارة عالمية واضحة.
وعلى المستوى الموضوعي، يُعد الحكم أول إدانة للمحكمة الجنائية الدولية في جريمة اضطهاد قائم على النوع الاجتماعي. ففي التهمتين 21 و31، خلصت الدائرة إلى إدانة كوشيب بارتكاب الاضطهاد على أسس سياسية وإثنية وجندرية، وفقًا للمادتين 7(1)(ح) و25(3)(أ) من النظام الأساسي (المصدر نفسه). وقد شملت كلتا التهمتين الاضطهاد بوصفه جريمة ضد الإنسانية، وأشارتا إلى “أسس جندرية تتعلق برجال الفور الذين اعتُبروا منتمين إلى جماعات متمردة أو مرتبطين بها أو داعمين لها” (المصدر نفسه). وخلصت الدائرة إلى أن ميليشيات الجنجويد وقوات حكومة السودان استهدفت بشكل أساسي رجال الفور في سن القتال بسبب تصورات بانتمائهم إلى المتمردين، وهو ما انطوى أيضًا على تمييز قائم على الانتماء السياسي والهوية الإثنية والدور الجندري المتصور. ويُعد هذا تطورًا جديدًا؛ إذ تمثل هذه القضية أول مرة تُدين فيها المحكمة الجنائية الدولية شخصًا باضطهاد قائم على النوع الاجتماعي بوصفه جريمة ضد الإنسانية، ما يوسع اجتهادها القضائي في كيفية توصيف الضرر الجندري وملاحقته باعتباره اضطهادًا، لا مجرد أفعال منفصلة كجرائم الاغتصاب أو العنف الجنسي.
وفي هذا الإطار، تمثّل قضية كوشيب حالة اختبار مفصلية تتعلق بالمشروعية والاختصاص القضائي ومشاركة الضحايا في سياق إحالة صادرة عن مجلس الأمن تخص دولة غير طرف في نظام روما الأساسي. ومن المرجّح أن يُستند إلى تعليل الدوائر القضائية بشأن كيفية انطباق جرائم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) عبر إحالة من مجلس الأمن—أي كيفية تمكين المجلس المحكمة من ممارسة اختصاصها على جرائم ارتُكبت في وضعٍ ما، حتى عندما لا تكون الدولة المعنية طرفًا في النظام الأساسي—في نقاشات مستقبلية حول إحالات تخص دولًا أخرى، مثل ليبيا، وغيرها من الحالات المحتملة.
وأخيرًا، فإن مشاركة 1,592 ضحية معترفًا بهم، والمرحلة المقبلة الخاصة بالتعويضات—التي يحق فيها لضحايا الجرائم التي أُدين بها كوشيب المطالبة بجبر الضرر وفقًا لنظام روما الأساسي (1998)—ستشكّل نموذجًا مهمًا لما يمكن، وما لا يمكن، أن تكون عليه العدالة المتمحورة حول الضحايا في سياقات الفظائع الجماعية. وبالنظر إلى هذه العناصر مجتمعة، يتكوّن ما يشبه (السوابق القضائية الراسخة) (jurisprudence constante)؛ ,وعلى الرغم من أن الدوائر القضائية المستقبلية ليست ملزمة رسميًا باتباع حكم كوشيب، إلا أنه وتبعًا لذلك سيكون من الصعب جدًا تجاهله (ICC 2025a).
هل ستصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف إضافية؟
أحال قرار مجلس الأمن رقم 1593، الصادر عام 2005، “الوضع في دارفور منذ 1 يوليو 2002” إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية دون تحديد تاريخ نهائي لاختصاص المحكمة الزمني. وقد اعتمد القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومثّل أول استخدام للمادة 13(ب) من نظام روما الأساسي (1998) (UN Digital Library 2005)، التي تتيح للمحكمة ممارسة اختصاصها على الجرائم المرتكبة في إقليم دولة غير طرف في المحكمة. وبناءً عليه، يجوز للمحكمة، من حيث المبدأ، التحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور بعد عام 2002 وملاحقتها، طالما أنها تدخل ضمن (الوضع) الذي أحاله مجلس الأمن.
وتتمحور إحدى القضايا الخلافية حول ما إذا كانت الفظائع الحالية في دارفور، ولا سيما منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، ترتبط ارتباطًا كافيًا بالوضع القائم وقت إحالة 2005. ويرى البعض أن المسار السياسي للسودان – منذ نظام البشير، مرورًا بثورة 2019 والحكومة الانتقالية، وصولًا إلى انقلاب 2021 – إلى جانب التحول المؤسسي للجنجويد إلى قوات الدعم السريع، قد أوجد سياقًا جديدًا كليًا، بما يجعل الإحالة الأصلية غير صالحة كأساس للاختصاص (Lentner 2025).
غير أنني أخالف هذا الرأي؛ إذ إن حكم كوشيب، إلى جانب الملفات السابقة المتعلقة بدارفور، دأب على تحديد قوات حكومة السودان (أي القوات المسلحة السودانية وغيرها) وميليشيات الجنجويد بوصفهم جناة رئيسيين.؛ وقوات الدعم السريع ليست سوى إعادة تشكيل للجنجويد، كما أن شخصيات رئيسية في قيادتها الحالية، بمن فيهم حميدتي، كانت متورطة بالفعل في أحداث دارفور في ذلك الوقت. إن استمرارية الفاعلين الرئيسيين، وأنماط العنف، والمجتمعات المستهدفة، تدعم بقوة الرأي القائل بوجود (صلة كافية) بين الجرائم المرتكبة في عامي 2003–2004 وتلك التي تُرتكب حاليًا في دارفور، وذلك اتساقًا مع المعيار القضائي (معيار الصلة الكافية) والذي استقر في اجتهاد المحكمة الجنائية الدولية لتقييم ما إذا كانت الجرائم اللاحقة تظل مرتبطة قانونيًا بالوضع المُحال سابقًا إلى المحكمة.
وينعكس هذا الموقف أيضًا في ممارسة مكتب الادعاء. فبعد وقت قصير من اندلاع نزاع 2023، أكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أن ولاية المحكمة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 لا تزال سارية بالكامل فيما يتعلق بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في دارفور، مشددًا على أن أي شخص مسؤول عن هذه الجرائم سيخضع للتحقيق (ICC 2023). ولا يزال هذا هو موقف المكتب المعلن. ففي بيانه الصادر في 3 نوفمبر 2025 بشأن الفاشر، ذكّر المكتب صراحةً بأن المحكمة “تحتفظ بالاختصاص على الجرائم المرتكبة في النزاع الجاري في دارفور بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1593 (2005)” (ICC 2025d)، وأكد أنه يحقق في الجرائم المزعومة المرتكبة منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، بما في ذلك اتخاذ خطوات فورية لحفظ الأدلة وجمعها تمهيدًا لاستخدامها في ملاحقات مستقبلية. ويفترض هذا الموقف المؤسسي استمرار الصلة اللازمة بـ(الوضع) الأصلي، وإمكانية إصدار مذكرات توقيف إضافية استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593 وحده.
ويرى باحثون أيضًا—وبصورة مقنعة في تقديري—أن إحالات مجلس الأمن بموجب المادة 13(ب) ينبغي تفسيرها تفسيرًا صارمًا، لأنها تمثّل استثناءً محدودًا على مبدأ رضا أو موافقة الدولة (المصدر نفسه، ص 20). غير أن هذا النهج التقييدي لا ينفي وجود (الصلة الكافية) داخل دارفور منذ اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 1593 وحتى اليوم.
وقد اعتُمد قرار مجلس الأمن رقم 1593 عام 2005 بأغلبية 11 صوتًا، دون أي معارضة، مع امتناع أربعة أعضاء عن التصويت. ولم يتطرق المجلس خلال الجلسة إلى نطاق زمني صريح للإحالة. بل على العكس، تشير عدة بيانات لأعضاء المجلس إلى نية استشرافية. فقد أعربت الولايات المتحدة عن أملها في أن “ينعم شعب السودان بمستقبل أفضل بكثير”، فيما أصدرت المملكة المتحدة “تحذيرًا رادعًا لكل من يفكر في ارتكاب فظائع جديدة”، ووصفت فرنسا القرار بأنه يبعث “رسالة قوية إلى كل من ارتكب أو قد يُغريه ارتكاب فظائع في دارفور” (ICC 2025d، ص 4 و7–8). ويعزز هذا الصمت بشأن التحديد الزمني، إلى جانب اللغة القوية و الاستشرافية الصريحة، التفسير القائل بأن القرار كان مقصودًا أن ينطبق على الجرائم المرتكبة بعد اعتماده، وأنه لا يزال ذا صلة قانونية حتى اليوم.
ومع ذلك، يظل النطاق الإقليمي للقرار 1593 محصورًا صراحةً في دارفور. وعلى الرغم من ظهور أنماط مماثلة من الإجرام في أنحاء أخرى من السودان منذ أبريل 2023، لا يمكن توسيع الإحالة الحالية لتشمل الجرائم المرتكبة بالكامل خارج دارفور. ولتأسيس اختصاص المحكمة على الجرائم المرتكبة خارج الإقليم، سيكون من الضروري صدور إحالة جديدة من مجلس الأمن، أو إعلان خاص من السودان بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي (1998)، وهو أمر غير مرجح في الوقت الراهن. وبناءً عليه، فإن مذكرات توقيف إضافية عن الجرائم المرتكبة في دارفور متاحة قانونيًا بموجب الإحالة القائمة، لكن توسيع نطاق المساءلة ليشمل باقي أنحاء السودان يتطلب أساسًا اختصاصيًا جديدًا.
انعكاسات الحكم على السودان
تعكس قضية كوشيب ومداها الزمني التحولات السياسية المتعاقبة في السودان. فقد عاش كوشيب طليقًا لسنوات خلال حكم عمر البشير، رغم صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية في أبريل 2007 (ICC 2007). وبعد ثورة 2019 وبداية المرحلة الانتقالية، تغيرت الحسابات الداخلية. وخشية اعتقاله من قبل السلطات السودانية، انتقل إلى جمهورية إفريقيا الوسطى مطلع عام 2020، ثم سلّم نفسه طوعًا للمحكمة في يونيو من العام نفسه، وظهر أمامها لاحقًا ذلك الشهر (Beaumont 2020). وخلال الإجراءات، حاول كوشيب التنصل من لقبه الحركي، مدعيًا أمام القضاة أنه ليس علي كوشيب، وأن المحكمة أخطأت في تحديد هويته (Prosecutor v Abd-Al-Rahman 2025). ومع ذلك، تبقى الحقيقة أنه – رغم هذه المحاولات، ورغم الاضطرابات السياسية في السودان بما في ذلك اندلاع الحرب في أبريل 2023 – خضع للمحاكمة وأُدين. ولم تغيّر التحولات في الأنظمة الداخلية تقييم المحكمة لمسؤوليته. ما يجعل الدرس واضحًا: المساءلة لا يمكن إدارتها عبر التلاعب بالزمن أو الهوية أو التحولات السياسية. وبالنسبة لأولئك الذين يرتكبون الجرائم في دارفور اليوم، يشير الحكم إلى أن المسؤولية الجنائية ليست خطرًا مؤقتًا، بل واقعًا طويل الأمد قد يتجاوز تغير الأنظمة والانقلابات والتحالفات.
لقرابة عقدين من الزمن، لم تصل أي قضية متعلقة بدارفور إلى مرحلة الإدانة، فتراجع حضور المحكمة الجنائية الدولية تدريجيًا في الوعي العام السوداني، وربما في الاهتمام الدولي أيضًا. وكان ذلك جزئيًا نتيجة للقيود السياسية والقانونية التي تعمل في ظلها المحكمة، والتي لا يتناولها هذا المقال بالتفصيل، لكن آثارها في السودان كانت واضحة. فقد سلّم كوشيب نفسه للمحكمة في 2020، بعد ثلاثة عشر عامًا من صدور أول مذكرة توقيف بحقه عام 2007، ولم يُدان إلا في 2025، أي بعد ثمانية عشر عامًا من تلك المذكرة. وفي هذا السياق، لم يكن تراجع حضور المحكمة في الوعي السوداني أمرًا مفاجئًا.
كما أن التركيز المبكر على مذكرة توقيف البشير جعل قضايا متهمين آخرين أقل حضورًا، ما صاحبه فشل في استقطاب اهتمام عام مماثل. وفي نظر كثير من السودانيين، بدت المحكمة الجنائية الدولية بعيدة وبطيئة وغير قادرة على تحقيق نتائج ملموسة. غير أن حكم كوشيب غيّر هذا التصور. فهو ليس مجرد لحظة رمزية، بل حكم قضائي يؤسس سجلًا وقائعيًا لما جرى في دارفور، ويعترف رسميًا بمشاركة 1,592 ضحية. وكان لصدى هذا الرقم – 1,592 – وقعٌ كبير، ففي سياق تهدد فيه كل موجة جديدة من العنف بدفن تواريخ سابقة من العنف، سيكتسب هذا السجل أهمية كبرى للذاكرة والحقيقة، وسيصعب على السلطات المستقبلية – مهما كان توجهها السياسي – محو تاريخ دارفور أو التقليل منه أو إعادة كتابته. وسيغدو الحكم مرجعًا أساسيًا لكيفية تذكر دارفور وسرد قصتها داخل السودان، سواء في المحافل القانونية أو في الخطاب العام الأوسع.
ومع ذلك، تظل آثار الحكم على السودان محدودة. فإدانة واحدة لا يمكنها محو عقود من الإفلات من العقاب، ولا تجيب عن تساؤلات السودانيين بشأن غياب محاكمات لقادة آخرين في قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية أو غيرها من الأطراف. كما أن هناك خطرًا حقيقيًا من أن توظف أطراف مختلفة الحكم بشكل انتقائي لتجريم خصومها، بدلًا من البناء على التزام مشترك بالعدالة.
وفوق ذلك، جاء حكم كوشيب بعد أكثر من ثمانية عشر عامًا على صدور أول مذكرة توقيف في 2007، ولا ينبغي للمجتمعات السودانية أن تتوقع مسارًا سريعًا حتى في حال صدور مذكرات توقيف إضافية بشأن الفظائع الحالية. وبالنظر إلى أن السودان يخضع فعليًا لسيطرة القوات المسلحة السودانية، وأن الفريق عبد الفتاح البرهان يسعى بنشاط إلى الحصول على اعتراف دولي بصفته الزعيم الشرعي للبلاد، فإن التعاون الجدي مع المحكمة الجنائية الدولية – فضلًا عن التصديق على نظام روما الأساسي (1998) الذي من شأنه توسيع اختصاص المحكمة خارج دارفور – يبدو غير مرجح في المستقبل القريب. ورغم أن نظام روما يمنح الأولوية من حيث المبدأ للملاحقات الوطنية إذا كانت الدولة راغبة وقادرة على التحقيق والمقاضاة بجدية، إلا أن هناك أسبابًا قوية للتشكيك في قدرة أو رغبة سودان تقوده القوات المسلحة على القيام بذلك بصورة موثوقة.
وفي الوقت الراهن، تظل المحكمة الجنائية الدولية واحدة من القنوات القليلة الواقعية لتحقيق العدالة في دارفور. أما توسيع نطاق المساءلة ليشمل الجرائم المرتكبة في بقية السودان، فسيتطلب إحالة جديدة من مجلس الأمن بموجب المادة 13(ب)، والتي – كما في قرار 1593 – يُرجح أن تُعتمد دون موافقة السلطات الفعلية في السودان.
ماذا يقول هذا عن القانون الدولي؟
يؤكد حكم كوشيب أن القانون الدولي ليس منقذًا ولا خصمًا، بل إطارًا تتوقف فاعليته على كيفية استخدام الدول له. ويُظهر المدى الزمني البالغ ثمانية عشر عامًا بين أول مذكرة توقيف والإدانة أن السياسة يمكن أن تؤخر العدالة – أحيانًا بصورة قاسية – لكنها لا تستطيع محو المسؤولية القانونية. وما يُنظر إليه بوصفه (فشلًا) للقانون الدولي لا يعكس غيابه، بل يكشف عن كونه يعمل ببطء وانتقائية وتحت قيود سياسية كبيرة، لأسباب تتجاوز نصوص نظام روما أو أي معاهدة أخرى. إذ لا يستطيع القانون الدولي إيقاف حرب أو إصلاح سياسة السودان، لكنه قادر على توصيف السلوك الإجرامي، وإسناد المسؤولية إلى الأفراد، والاعتراف بالضحايا بوصفهم أصحاب حقوق لا مجرد شهود على معاناتهم.
وفي الوقت ذاته، فإن الحكم ذاته نتاج قرار سياسي. فاختصاص المحكمة في دارفور قائم فقط لأن مجلس الأمن اعتمد القرار 1593، وهو فعل سياسي فتح الباب لهذه القضية. وفي هذا السياق، ينبغي فهم القانون الدولي بوصفه أداة مقيدة يمكن تعبئتها للمساءلة، لا قوة مستقلة تقف فوق السياسة.
خاتمة
لم ينتهِ بعد، في واقع السودان، زمن (امسح أكسح) – العبارة التي وردت 39 مرة في حكم كوشيب باعتبارها أمرًا بالإبادة والمحو. لكنه انتهى بالتأكيد بالنسبة لكوشيب نفسه. فظهور هذه العبارة اليوم في حكم إدانة، بدلًا من كونها تحريضًا غير محاسَب عليه، يمنح قدرًا من الأمل بأن العدالة بحق المشتبه بهم الآخرين ليست وعدًا فارغًا. ويُظهر أن هذه الكلمات يمكن أن تُقرأ لا بوصفها أوامر صاخبة فحسب، بل كأدلة تُحلل في قاعة محكمة.
ومع ذلك، يحتاج السودان إلى ما هو أكثر بكثير من مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية وإدانة واحدة. فلا يمكن للإجراءات الدولية وحدها أن تُحدث التحول الاجتماعي والثقافي والقانوني والسياسي الذي يتطلبه السلام الحقيقي، الذي يحتاج تحولًا أعمق، متجذرًا في المجتمع السوداني ذاته: في كيفية فهمنا للمسؤولية، وكيفية تذكرنا لدارفور، وكيفية رفضنا التطبيع مع (امسح أكسح) كوسيلة لممارسة السياسة. وفي ذلك للمحامين والسياسيين والمسؤولين الحكوميين دور، لكن للمجتمعات المحلية والمجتمع المدني والناجين أدوارًا لا تقل أهمية. وفي هذا النضال الأوسع، لا يشكّل حكم كوشيب ولا عقوبة بالسجن عشرين عامًا نهاية الطريق، بل بدايته.
المصادر
- ICC (2025) “Public redacted version of Sentencing Judgment: The Prosecutor v. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (“Ali Kushayb”).” ICC-02/05-01/20-1281-Red. 09 December 2025. Accessed 16 December 2025. Available at: Link.
- ICC (2025) “Fourteenth decision on the admission of victims to participate in trial proceedings: The Prosecutor v. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (“Ali Kushayb”), Trial Chamber I” ICC-02/05-01/20. 21 March 2025. Accessed 6 October 2025. Available at: Link
- ICC (2025) “Questions and Answers: The Prosecutor v. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (“Ali Kushayb”), Trial Judgement in the Abd-Al-Rahman Case.” ICC-02/05-01/20. 6 October 2025. Accessed 6 October 2025. Available at: Link
- UN News (2025) “Tens of thousands fleeing on foot amid atrocities in Sudan’s El Fasher.” 31 October 2025. Accessed 5 December 2025. Available at: Link.
- Prosecutor v Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (Ali Kushayb)(Trial Judgment) ICC-02/05-01/20-1240. (Trial Chamber I, 6 October 2025). Available at: Link.
- Elhadidy, G. (2025) “GIWPS Analysis: ICC Ruling on War Crimes Committed in Sudan.” Georgetown Institute for Women, Peace and Security (GIWPS). 20 October 2025. Accessed 3 December 2025. Available at: Link.
- UN Treaty Collections.(n.d) “Status of Treaties: Rome Statute of the International Criminal Court.” Declarations and Reservations. Accessed 7 December 2025. Available at: Link. (Rome Statute 1998)
- Imoedemhe, O. (2015) “Unpacking the Tension Between the African Union and the International Criminal Court: the Way Forward.” African Journal of International and Comparative Law.Volume Number 1. At pp. 74-105.
- (2020) “Statement of the Prosecutor of the International Criminal Court, Fatou Bensouda, at a media briefing in Khartoum, Sudan: “There is an urgent need for justice in Sudan. Sustainable peace and reconciliation are built on the stabilizing pillar of justice.” ICC Website. 20 October 2020. Accessed 3 December 2025. Available at: Link.
- Prosecutor v Bahar Idriss Abu Garda (Decision on the Prosecution’s Application for Leave to Appeal the “Decision on the Confirmation of Charges”) ICC-02/05-02/09 (Pre-Trial Chamber I, 23 April 2010). Available at: Link.
- (2013) ‘Darfur Situation: Trial Chamber IV terminates proceedings against Saleh Jerbo.” ICC Website. 4 October 2013. Accessed 4 December 2025. Available at: Link.
- (n.d.) “Defendants: Darfur.” ICC Website. Accessed 7 December 2025. Available at: Link.
- The Rome Statute of the International Criminal Court (1998). Available at: Link. (Rome Statute 1998).
- UN (2005) “UN Security Council Resolution 1593, adopted in 2005, Referral of the situation in Darfur, Sudan, to the Prosecutor of the International Criminal Court.” UN Doc S/RES/1593. 31 March 2005. Available at: Link.(UN Security Council 2005)
- UN Digital Library (2005) “Security Council, 60th year : 5158th meeting, Thursday, 31 March 2005, New York.” S/PV.5158. 31 March 2005. Available at: Link.
- Lentner, G.M. (2025) “Legal Limits for the ICC’s Jurisdiction over International Crimes Committed in Sudan.” Blog of the European Journal of International Law (EJIL!). 5 December 2025. Accessed 6 December 2025. Available at: Link .
- (2023) “Statement of ICC Prosecutor, Karim A. A. Khan KC, to the United Nations Security Council on the situation in Darfur, pursuant to UN Security Council Resolution 1593, adopted in 2005.” Office of the Prosecutor. 13 July 2023. Accessed 5 December 2025. Available at: Link. (UN Security Council 2005)
- (2025) “Statement of the ICC Office of the Prosecutor on the situation in El-Fasher, North Darfur.” Office of the Prosecutor. 3 November 2025. Accessed 5 December 2025. Available at: Link.
- (2007) “Warrant of Arrest for Ali Kushayb: ICC Pre-Trial Chamber I in the case of The Prosecutor v. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (“Ali Kushayb”). ICC-02/05-01/20-18. 27 April 2007. Available at: Link.
- Beaumont, P. (2020) “Notorious Sudanese militia chief in Darfur conflict arrested in CAR: Ali Kushayb, wanted for human rights abuses and war crimes, faces trial in The Hague.” The Guardian. 9 June 2020. Accessed 8 December 2025. Available at: Link.
- Prosecutor v Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman(“Ali Kushayb”), Prosecution’s Response to “Requête aux fins de modification du nom porté au dossier de l’affaire ICC-02/05-01/20” ICC-02/05-01/20-4 (Pre-Trial Chamber II, 19 June 2020). Available at: Link.
- Heikkilä, M. (2017). “Article 21 – Applicable Law.” In M. Klamberg (), Commentary on the Law of the International Criminal Court. pp. 242–252. Torkel Opsahl Academic Epublisher, Link.
- تعبر الآراء الواردة في هذه المادة عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المركز.