معلّق، لم يُحل: التنافس السعودي-الإماراتي والحرب في السودان

أعادت الحرب مع إيران في عام 2026 تشكيل، دون أن تنهي، التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بما حمله ذلك من انعكاسات مهمة على الحرب في السودان. فبينما دفعت المواجهة الإقليمية مع إيران الرياض وأبوظبي مؤقتاً نحو قدر أكبر من التنسيق، ظلت الخلافات البنيوية المتعلقة بالأمن والنفوذ الإقليمي والبحر الأحمر قائمة.

في هذا السياق، واصلت الإمارات إلى حد كبير دعمها لـقوات الدعم السريع، في حين تبنت السعودية موقفاً أكثر حذراً وتحفظاً تجاه القوات المسلحة السودانية. وفي الوقت نفسه، بات الطرفان السودانيان مضطرين بشكل متزايد إلى إعادة التموضع سياسياً واستراتيجياً ضمن مشهد إقليمي متغير.

الكاتبة:

لينا بدري باحثة ومحللة سياسات. تشغل منصب زميلة أكاديمية مشاركة في تشاتام هاوس، كما تعمل باحثة في المركز السوداني لدراسات السياسات.

المقدمة

قبل اندلاع الحرب مع إيران، كانت التوترات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة (الإمارات) تتصاعد بالفعل. اندلعت الشرارة الأولى في أوائل ديسمبر 2025 عندما شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، وهو فصيل انفصالي مدعوم من الإمارات ضمن المجلس الرئاسي اليمني، هجوماً في محافظة حضرموت استهدف قوات منافسة مرتبطة بفصائل أخرى منضوية ضمن المعسكر الحكومي وجاء رد الرياض حاداً. إذ نفّذ التحالف الذي تقوده السعودية ضربة على ميناء المكلا الجنوبي، حيث أفادت تقارير بأن الإمارات كانت قد زوّدت المجلس الانتقالي بالدعم هناك، كما دعت الرياض علناً الإمارات إلى سحب ما تبقى من قواتها في اليمن خلال 24 ساعة

إلى جانب سلسلة من التحركات التنافسية في جيبوتي والصومال والبحر الأحمر، سرعان ما أصبح واضحاً أن ما كان لفترة طويلة خلافاً هادئاً بين الرياض وأبو ظبي قد تحول أخيراً إلى منافسة مفتوحة. وتوقع كثير من المراقبين أن يتعمق هذا الشرخ أكثر، وأن يصبح السودان أحد الساحات الرئيسية التي سيتجلى فيها، بالنظر إلى علاقات الرعاية والدعم التي شكّلت مسار الحرب في السودان: بين الإمارات وقوات الدعم السريع من جهة، وبين السعودية والقوات المسلحة السودانية من جهة أخرى.

غير أن هذا المسار التصاعدي للمنافسة انقطع بصورة مفاجئة في 28 فبراير 2026، عندما فتحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران أبواب الحرب الإقليمية الأكثر خطورة منذ جيل. وأدى الرد الإيراني اللاحق، الذي شمل ضرب أراضي الخليج بالطائرات المسيرة والصواريخ، إلى تغيير البيئة الاستراتيجية بين عشية وضحاها. بالنسبة للرياض وأبو ظبي، طغت مخاوف أكثر إلحاحاً مؤقتاً على الخلافات القائمة منذ فترة طويلة: أمن أراضيهما، والبنية التحتية للطاقة، وممرات الشحن. في غضون أيام، تحدث محمد بن سلمان ومحمد بن زايد عبر الهاتف، وأفادت التقارير أن السعودية كانت تحث حلفاءها في الخليج على تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات مع طهران.

أثار هذا التقارب القسري سؤالاً واضحاً: إذا كان التهديد المشترك من إيران كافياً لإعادة التقارب بين القوتين الخليجيتين، فماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟ بعد عدة أشهر، أصبح الجواب أكثر تعقيداً مما كان يوحي به التصور الأولي للتقارب الجديد. فصدمة الحرب مع إيران لم تُنتج إعادة توازن فورية أو واضحة في علاقات الرعاية والدعم داخل السودان. لم تقلل الإمارات بشكل واضح من دعمها لقوات الدعم السريع؛ بل على العكس، استمر هذا الدعم في تمويل عمليات قوات الدعم السريع. في المقابل، بدت السعودية أكثر حذراً بصورة ملحوظة في دعمها للقوات المسلحة السودانية، كما يتضح بشكل جلي من خلال إلغاء صفقة بيع أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار من باكستان إلى السودان، التي توسطت فيها السعودية. ومن الجدير بالملاحظة أن صفقة أسلحة أخرى بقيمة 4 مليارات دولار لصالح الجيش الوطني الليبي، المدعوم أيضاً من السعودية، قد وُضعت كذلك قيد التعليق، مما يشير إلى أن السعودية تعيد النظر في استراتيجيتها الأوسع للسياسة الخارجية وتحالفاتها في ظل أولويات جديدة. والصورة ليست صورة دولتين تتصرفان بشكل متطابق تحت ضغط تهديد مشترك، بل صورة دولتين تجريان حسابات مختلفة بشأن الكلفة السياسية والاستراتيجية، وحجم الانكشاف، والمخاطر المرتبطة بالسمعة..

وقد أعاد قرار الإمارات الأخير بالانسحاب من منظمة أوبك وأوبك+، الذي أُعلن في أواخر أبريل 2026 وبدأ سريانه في 1 مايو، طرح السؤال حول ما إذا كان الخلاف قد توقف فعلياً أم أنه يتطور في سياق مختلف. فقد صوّرت أبوظبي الخطوة باعتبارها قراراً وطنياً خالصاً، اتُّخذ من دون التشاور مع الرياض، وهو يعكس إحباطاً إماراتياً متراكماً من سياسات خفض الإنتاج التي تقودها السعودية. وسارع مسؤولون مقربون من المؤسسة السعودية إلى التقليل من أهمية الإعلان، غير أن توقيته، في خضم حرب إقليمية أرهقت أصلاً تماسك الخليج، يبقى لافتاً. فهو يشير إلى أنه حتى في لحظة يُفترض أنها لحظة وحدة، لا يزال كل طرف ملتزماً بأمنه ومصلحته المتصورة. وبالنسبة إلى من يراقبون أثر هذه التحولات على الحرب في السودان، فإن ذلك يذكّر بأن مظهر الاصطفاف الخليجي تحت ضغط إيران لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعادة ضبط بنيوية للعلاقة.

دول الخليج وتبدّل الأولويات

بالنسبة إلى الإمارات، مثّلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران صدمة أمنية، لكنها لم تغيّر جذرياً المنطق الاستراتيجي الذي يحكم الانخراط الإماراتي في السودان. فقد كان استثمار أبو ظبي في قوات الدعم السريع دائماً جزءاً من استراتيجية عابرة للحدود تربط بين تدفقات الذهب، والوصول إلى الموانئ، وشبكات النفوذ الممتدة عبر الساحل والقرن الأفريقي. وقد عزز سقوط الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في أكتوبر 2025 في أيدي قوات الدعم السريع، هيمنة المجموعة على دارفور،  وقد أدى سقوط الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025 إلى ترسيخ هيمنة هذه القوات على دارفور، ومنح الإمارات شريكاً يسيطر على حصة معتبرة من أراضي السودان، وإمدادات الذهب، وطرق التجارة الخارجية عبر ليبيا وتشاد. ومنذ نوفمبر 2025، بدأت الرحلات الجوية المرتبطة بالإمارات إلى إثيوبيا في الزيادة بشكل حاد، حيث قامت أبو ظبي بتعديل خطوط إمدادها تحت ضغط من مصر والمملكة العربية السعودية والصومال، التي بدأت جميعها في رفض منح الإمارات الإذن بالتحليق فوق أراضيها، في حين أغلقت السلطات في شرق ليبيا مطار الكفرة مؤقتًا.

وبدلاً من تقليص الدعم، أعادت الإمارات توجيه مساراته، باحثة عن طرق أخرى للحفاظ عليه. ففي 10 فبراير 2026، أكد تحقيق لوكالة رويترز أن قاعدة عسكرية ممولة إماراتياً في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي كانت تدرب نحو 4,300 مقاتل من قوات الدعم السريع، وكانت بمثابة منصة انطلاق لهجوم قوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق. واستمر النمط نفسه حتى بعد بدء الضربات على إيران. إذ أشارت تقارير المحللين إلى أن الحرب مع إيران لم تُنتج أي تراجع واضح في الدعم الإماراتي، بينما كشف تحقيق أن رحلات الشحن الجوي القادمة من الإمارات، والمفترض أن تصل إلى قوات الدعم السريع، توقفت أربعة أيام فقط بعد بدء الضربات الإيرانية في 28 فبراير، ثم استؤنفت سريعاً. وهذا يشير إلى أنه حتى في ذروة أزمة أمنية توقفت خلالها آلاف الرحلات التجارية، ظل استئناف النقل إلى قوات الدعم السريع أولوية عليا.

إن الاستعداد لإنشاء ممرات جديدة تحت الضغط، والاستثمار في البنية التحتية للتدريب عبر الحدود، واستئناف الرحلات الجوية في غضون أيام من الهجمات المباشرة على الأراضي الإماراتية لا يدلّ على سلوك دولة تعيد النظر في التزامها، بل على سلوك دولة تعمّق دعمها وتحصّنه.

أما موقف المملكة العربية السعودية فهو أكثر حساسية. فقد اضطرت الرياض إلى مواجهة الحرب مع إيران في ظل ضغطين متداخلين. الأول هو الكلفة الأمنية المباشرة للرد الإيراني على الأراضي الخليجية، وهو ما عزز تفضيل المملكة لخفض التصعيد، وجعل أي التزام مفتوح بحرب السودان أقل جاذبية. أما الثاني فهو الكلفة السياسية للارتباط العلني بالقوات المسلحة السودانية في وقت أصبح فيه من الصعب الدفاع عن علاقاتها الإيرانية، التي تتجلى بشكل أكبر في اعتمادها على الطائرات الإيرانية بدون طيار واستعادة العلاقات مع طهران مؤخراً في عام 2024. وقد أدى تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية في آذار/مارس 2026 لجماعة الإخوان المسلمين السودانية ولواء البراء بن مالك ككيانات إرهابية عالمية مصنفة خصيصاً، مع الإشارة الصريحة إلى الدعم المقدم من الحرس الثوري الإيراني، إلى تعقيد موقف المملكة العربية السعودية بشكل كبير. فقد نشط لواء البراء بن مالك، الذي يتشكل في معظمه من عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، في دعم القوات المسلحة السودانية في معاركها المستمرة ضد قوات الدعم السريع. وقد أمضت الرياض سنوات في تقديم نفسها في واشنطن على أنها الثقل المقابل الذي لا غنى عنه للنفوذ الإيراني في المنطقة، وأصبح التوافق بشكل واضح للغاية مع جيش سوداني تعتمد مرونته في ساحة المعركة جزئيًا على طائرات “المهاجر-6″ الإيرانية أمرًا متزايد الحرج.

غير أن ذلك لا يعني أن السعودية تنسحب من السودان أو أنها أوقفت دعمها للقوات المسلحة السودانية تماماً. فعلى الرغم من تعليق صفقة الأسلحة الباكستانية المدعومة سعودياً لصالح القوات المسلحة، لا يزال اتفاق تكرير الذهب بين المصفاة السعودية الحكومية للذهب وشركة التعدين الحكومية في الخرطوم، والموقّع في يناير، قائماً على الأرجح. كما استضاف محمد بن سلمان عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، في أواخر أبريل، حيث ركزت المناقشات على تعزيز التعاون الثنائي وضمان استقرار السودان. وعلى الرغم من أن هذا النطاق من الدعم ليس عسكرياً بطبيعته، فإنه يؤدي دوراً مهماً في تعزيز الشرعية السياسية لسلطة بورتسودان، ومكانتها الدولية، وأهدافها المتعلقة بالبنية التحتية. لكن الخطاب العلني أصبح أكثر تحفظاً، ويبدو أن الشهية لالتزامات جديدة قد تراجعت. وتشير تحليلات كثيرة إلى أن السعودية باتت تخفف تدريجياً بعض استثماراتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي لصالح مقاربة أكثر حذراً، تعطي الأولوية أولاً وقبل كل شيء للتماسك الوطني الداخلي. مما قد يضعف مع مرور الوقت، قدرة القوات المسلحة السودانية على موازنة النفوذ الإماراتي. والنتيجة هي أنه حتى إذا بدت الرياض وأبو ظبي متقاربتين دبلوماسياً، فإن اختلال التوازن على الأرض في السودان ربما يتسع فعلياً، مع استمرار الإمارات في الاستثمار في قوات الدعم السريع، في مقابل دعم سعودي للقوات المسلحة السودانية يصبح أكثر مشروطية وحذراً من حيث السمعة.

على طرفي الحرب في السودان إعادة التموضع

في ظل بيئة إقليمية متغيرة أصبح فيها الفاعلون الخليجيون أكثر تكتيكية في تموضعهم، تبعاً لما يرونه من أولويات، بات على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أن تعملا بجهد أكبر للحفاظ على قيمتهما لدى داعميهما. فكلا الطرفين مضطر إلى التعامل مع مشهد إقليمي يوازن فيه الرعاة بين الحرب مع إيران، وأسواق الطاقة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وأسئلة أوسع تتعلق بالسمعة الإقليمية، وبذلك، لم يعد هامش المناورة القصوى متاحاً كما كان من قبل.

ويبدو هذا التحدي أكثر حدة بالنسبة إلى القوات المسلحة السودانية. فتحالف البرهان كان، منذ وقت طويل، خليطاً غير مريح من ضباط عسكريين تقليديين، وشبكات إسلامية مرتبطة بعهد البشير السابق، وشخصيات غير منحازة انضمت بحكم الضرورة. وقد كانت استعادة العلاقات مع إيران في عام 2024، ثم وصول المسيّرات الإيرانية، ضرورة ميدانية في وقت كان فيه الجيش في موقف دفاعي صعب. غير أن الاعتماد نفسه الذي ساعد القوات المسلحة على الصمود في المرحلة المبكرة من الحرب أصبح الآن عبئاً استراتيجياً. وربما كان الفيديو الذي نشره الناجي عبد الله، وهو قائد إسلامي بارز متحالف مع القوات المسلحة السودانية، والذي تعهد فيه علناً بإرسال مقاتلين سودانيين للدفاع عن إيران ضد أي عملية برية أميركية أو إسرائيلية، هو اللحظة التي انتقلت فيها الصلة الإيرانية من كونها ضرورة تكتيكية إلى مشكلة سياسية. وقد جاءت عملية اعتقال عبد الله لاحقاً من قبل البرهان، وقرار وزارة الخارجية إدانة الضربات الإيرانية على دول الخليج بدلاً من إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران كمحاولات واضحة لإدارة الصورة العامة. غير أنه، وبالنظر إلى التاريخ الموثق لعلاقة الجيش بإيران، فمن غير المرجح أن تكون هذه الإشارات كافية لتقديم القوات المسلحة كشريك إقليمي موثوق في مواجهة إيران.

كانت الخرطوم شريكاً وثيقاً لطهران خلال عهد البشير، قبل أن تنضم إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن عام 2015، وتقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية عام 2016. ولا تزال آثار ذلك الاصطفاف السابق حاضرة في الذاكرة المؤسسية للدولة والجيش، خصوصاً داخل الجناح الإسلامي في تحالف القوات المسلحة، ما يجعل محاولة الجيش إعادة تموضعه اليوم أكثر تعقيداً. صحيح أن موقف الرياض تجاه الحركات الإسلامية تغيّر خلال العقد الأخير، متجهاً نحو مقاربة أكثر دبلوماسية تجاه الفاعلين الإسلاميين والمرتبطين بالإخوان المسلمين، كما ظهر في التقارب الأخير مع تركيا وأحمد الشرع في سوريا. لكن القضية الرئيسية بالنسبة إلى السعودية هي الاصطفاف مع فاعلين مرتبطين بإيران، وهنا يتضح مأزق القوات المسلحة بصورة أكبر.

وقد ربط إجراء أميركي مهم في آذار/مارس 2026 بين عنصرين قد يبدوان منفصلين: الصلات الإسلامية الداخلية للقوات المسلحة وعلاقتها بإيران. فقد صنّفت واشنطن جماعة الإخوان المسلمين السودانية كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة خصيصاً، مشيرة إلى دعم تلقته من الحرس الثوري الإيراني. ومن بين الجهات التي أفادت التقارير بأنها تلقت هذا الدعم لواء البراء بن مالك، وهو جماعة مسلحة رئيسية مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية. ومن منظور واشنطن، لم تعد التحالفات الإسلامية للقوات المسلحة وصلاتها الإيرانية مشكلتين منفصلتين، بل مشكلة واحدة. وهذا ما يجعل اصطفاف السعودية مع البرهان سياسياً أكثر هشاشة.

لذلك، تتمثل المهمة التي تحاول القوات المسلحة السودانية إدارتها خلال الأشهر الأخيرة في إقناع الرياض، ومن ورائها واشنطن، بأنها قادرة على النأي بنفسها بصورة موثوقة عن المكونات المرتبطة بإيران داخل تحالفها. لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من إشارات خطابية أو خطوات رمزية؛ فهو يستدعي مسافة سياسية وتنظيمية واضحة عن الشبكات الإسلامية التي وفّرت للجيش جزءاً مهماً من قاعدته التعبوية، وعن قنوات الدعم الإيراني التي ساعدته ميدانياً. غير أن هذا الابتعاد، إن حدث بجدية، قد يهدد تماسك تحالف البرهان الداخلي نفسه.

أما تحدي إعادة التموضع بالنسبة إلى قوات الدعم السريع فهو مختلف، لكنه ليس أقل واقعية. فقد كانت استراتيجية حميدتي كلها قائمة على تحويل المكاسب العسكرية إلى شرعية سياسية. وتستخدم قوات الدعم السريع الآن مشكلة القوات المسلحة مع إيران، وتصنيف جماعة الإخوان، لتقديم نفسها بوصفها الشريك الأكثر براغماتية على امتداد البحر الأحمر؛ فاعلاً لا يحمل، أياً يكن سلوكه، العبء الأيديولوجي الذي جعل تحالف البرهان غير مرغوب فيه في العواصم الغربية. غير أن نجاح هذا التأطير لا يعتمد كثيراً على وجاهة الحجة نفسها، بقدر ما يعتمد على ما إذا كانت الإمارات ستقدّر أن الدفع به بقوة مفرطة، في لحظة لا تزال فيها تقارير الفظائع حديثة، قد يضر بمكانتها في واشنطن.

النظر إلى الأمام

لم تؤد الحرب مع إيران إلى إعادة ضبط التنافس الخليجي. بل أوقفته لفترة وجيزة، وأجبرت كل من الرياض وأبو ظبي على إدارة صورة خلافاتهما بحذر أكبر. لكن الدوافع الكامنة وراء المنافسة، بما في ذلك الرؤى المتباينة بشأن البحر الأحمر، والمواقف المتباينة تجاه الحركات الإسلامية، والمصالح التجارية المتعارضة في القرن الأفريقي، والمواقف المختلفة من سياسات الطاقة كما يوضح الانسحاب من أوبك، لا تزال قائمة. ما تغير هو طبيعة المنافسة، التي أصبحت أكثر هدوءاً وإجرائية وأصعب في قراءتها من الخارج، لكنها لم تتوقف عن تشكيل الحرب في السودان.

لم تؤدِ الحرب مع إيران إلى إعادة ضبط التنافس الخليجي أو تسويته. لقد علّقته مؤقتاً، ودفعت الرياض وأبو ظبي إلى إدارة خلافاتهما بقدر أكبر من الحذر والانضباط في الخطاب والممارسة. غير أن المحركات الأعمق لهذا التنافس لا تزال قائمة، بما في ذلك الرؤى المتباينة لمستقبل البحر الأحمر، والمواقف المختلفة من الحركات الإسلامية، وتضارب المصالح التجارية في القرن الأفريقي، والتباين في سياسات الطاقة كما أظهر الانسحاب من أوبك. ما تغيّر، إذاً، ليس جوهر المنافسة، بل شكلها وإيقاعها؛ فقد أصبحت أكثر هدوءاً، وأقل مباشرة، وأصعب قراءة من الخارج، لكنها لا تزال تؤثر بعمق في مسار الحرب في السودان.

بالنسبة إلى الأطراف السودانية، يتمثل الدرس الأبرز في أن مرحلة التعويل الواثق على الخلافات الخليجية قد انتهت إلى حد كبير. فلم تعد القوات المسلحة السودانية قادرة على افتراض أن الدعم السعودي سيأتي بالحجم نفسه، أو بالغطاء السياسي ذاته، الذي توفر لها في أواخر عام 2025. وفي المقابل، لم تعد قوات الدعم السريع قادرة على افتراض أن الدعم الإماراتي سيظل معزولاً بالكامل عن التدقيق والضغوط الدولية الأوسع، حتى وإن كان قد صمد حتى الآن أمام قدر كبير منها.

لذلك، سيحتاج الطرفان إلى إعادة ضبط تموضعهما بدرجة أكبر من الحذر، ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً، حتى يظلا مفيدين لداعمين باتوا يوازنون بين أولويات أكثر تعقيداً من ذي قبل. وسيتطلب هذا التحول خيارات صعبة. فبالنسبة إلى القوات المسلحة السودانية، سيعني ذلك إدارة العلاقة مع إيران والتحالف الإسلامي بطريقة لا تؤدي إلى تفكيك قاعدتها الداخلية. أما بالنسبة إلى قوات الدعم السريع، فسيعني التعامل مع السقف السياسي الذي فرضته الأدلة المتزايدة على الفظائع، وما يحدّده ذلك من قيود على القيمة التي يمكن للإمارات أن تستخلصها من رعايتها لها.

لا يزال من المبكر الإجابة عما إذا كانت الحرب مع إيران ستشكل نقطة تحول حقيقية في سياسات الخليج أم أنها مجرد توقف مؤقت في منافسة متجذرة بعمق في الاختلافات الهيكلية. تشير الأدلة الأولية، بما في ذلك انسحاب أوبك، واستمرار تدفق الدعم إلى قوات الدعم السريع، والمشاركة السعودية الحذرة، ولكن المستمرة مع القوات المسلحة السودانية، إلى الخيار الأخير. يظل السودان أحد أوضح الأماكن لمراقبة كيفية تطور التنافس، وذلك على وجه التحديد لأن الحرب هناك مهمة للغاية بالنسبة لأي من عاصمتي الخليج بحيث لا يمكن تركها وشأنها، ومكلفة للغاية بحيث لا يمكن لأي منهما أن تتحملها بالكامل. بينما تعمل السعودية والإمارات على تحديد شكل علاقتهما بعد تلاشي الصدمة المباشرة للحرب مع إيران، سيظل السودان أحد الساحات التي تُختبر فيها عملية إعادة التوازن هذه. وسيكون فهم عملية إعادة التوازن هذه وكيفية استجابة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لها أمراً أساسياً لفهم مسار الحرب من هنا فصاعداً.

لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت الحرب مع إيران ستشكّل نقطة تحوّل حقيقية في السياسة الخليجية، أم مجرد تعليق مؤقت لمنافسة أعمق، متجذرة في تباينات هيكلية بين الرياض وأبو ظبي. غير أن المؤشرات الأولية، بما في ذلك الانسحاب من أوبك، واستمرار تدفق الدعم إلى قوات الدعم السريع، والانخراط السعودي الحذر غير المنقطع، مع القوات المسلحة السودانية، ترجّح الاحتمال الثاني. ويظل السودان إحدى أوضح الساحات التي يمكن من خلالها رصد تطور هذا التنافس، تحديداً لأن الحرب فيه بالغة الأهمية لكلتا العاصمتين الخليجيتين إلى درجة لا تسمح بتركها خارج حساباتهما، وباهظة التكلفة إلى حد لا يتيح لأي منهما امتلاكها بالكامل أو تحمّل تبعاتها منفردة. ومع تراجع الصدمة الأولى للحرب مع إيران، وبدء السعودية والإمارات في اختبار حدود علاقتهما الجديدة، سيبقى السودان إحدى الساحات الرئيسية التي يُختبر فيها هذا التكيّف. ومن ثم، فإن فهم طبيعة هذا التكيّف، وكيف ستستجيب له القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، سيكون ضرورياً لفهم الاتجاهات المحتملة للحرب في المرحلة المقبلة.

 

* تعبر الآراء الواردة في هذه المادة عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو سياسات المركز.

Share

© 2025 Created with PRIVILEGE